الدرس 3: السكان والتنمية البشرية بالمغرب العربي

المقدّمة:

إن معرفتنا السابقة للخصائص الطبيعية المناخية والتضاريسية لبلدان المغرب العربي إلى جانب التوزع الجغرافي لموارده الطبيعية تجعلنا نتخيل خريطة توزع سكانه بحكم توفر مناطق جاذبة وأخرى منفرة. فما هي أهم خصائص التوزع المجالي والحضري للسكان في دول المغرب العربي علما وأنهم قد تجاوزوا 100 مليون نسمة منذ 2020؟ وما هي أبرز مميزات النمو الديمغرافي وانعكاساته؟ وما هو واقع التنمية البشرية بهذه الدول؟

I- التوزع المجالي للسكان في دول المغرب العربي والانفجار الحضري:

1. تفاقم ظاهرة السوحلة:

- تتركز الموارد الطاقية للمغرب العربي في نصفه الشرقي من سواحله إلى صحرائه.


خريطة التوزع المجالي للسكان بالمغرب العربي

أ‌- مظاهرها:

ارتفاع الكثافات السكانية على السواحل الشمالية للمغرب العربي.

ب‌- عواملها:

- الطبيعية: تتمثل في توفر العديد من الظروف الملائمة للاستقرار في هذه المناطق مناخية كانت أو تضاريسية.

- التاريخية: حيث بدأت ظاهرة السوحلة في دول المغرب العربي وخاصة ليبيا وتونس والجزائر مع قدوم قبائل بني هلال ثم تدعّمت في عهد الاستعمار إثر استيلاء المعمرين على الأراضي الفلاحية واضطرار العديد من الريفيين إلى التوجه نحو المدن الساحلية القريبة وخاصة العواصم وإثر استقلال دول المغرب خلال الستينات وخاصة السبعينات تدعّمت حركة النزوح نحو المدن الساحلية لما توفرت فيها من خدمات وفرص تشغيل.

- السياسية الاقتصادية: تتمثل في تركيز دول المغرب عنايتها على المناطق الساحلية الآهلة بالسكان فتم تجهيزها بالبنية الأساسية التي أهلتها لاستقطاب بعض الاستثمارات المحلية وخاصة الأجنبية وإنشاء العديد من المشاريع الخاصة التي عمقت ظاهرة السوحلة وانفتاح هذه المناطق على السواحل الشمالية للمتوسط وتحديدا إيطاليا وفرنسا وإسبانيا.

ج‌- انعكاساتها على اقتصاد دول المغرب العربي:

إذا ما استثنينا بعض الواحات الطبيعية الناشئة حول نقاط مياه أو حول ضفة نهر السنيغال الشمالية في أقصى جنوب موريتانيا أو بعض الواحات الاصطناعية الناتجة عن استغلال ثروة طبيعية في صحراء ليبيا أو الجزائر أو موريتانيا حيث تكون الكثافات متوسطة فإن بقية المناطق الداخلية لدول المغرب العربي تعاني من حالة تفقر على مستوى تجهيزها البنيوي فلا يشجع ذلك المستثمرين على التوجه إليها رغم سن العديد من التشريعات التي تحثهم على الاستثمار في تلك المناطق.

في حين تعاني المناطق الساحلية من الاكتظاظ وتفقر التربة وارتفاع نسبة الملوحة فيها نجد مناطق داخلية شاسعة ذات كثافة سكانية ضعيفة تنتظر اهتمام الدولة بها وإعطاءها حظوظها في التنمية المستدامة.

2. الانفجار الحضري بالمغرب العربي:


تطوّر نسبة التحضّر في دول المغرب العربي

- شهدت المجتمعات المغاربية تحولا هاما على مستوى نسبة تحضرها منذ منتصف القرن العشرين فبعد أن كانت أقلية منها تعيش في المدن نجدها في بداية القرن الواحد والعشرين تتضاعف عدة مرات في ليبيا وخاصة في موريتانيا أما في بقية دول المغرب فقد تضاعفت مرة واحدة. كما يظهر الانفجار الحضري من خلال تضخم حجم مدن المغرب العربي وخاصة عواصم دوله مثلما توضح ذلك هذه الخريطة:


خريطة المدن الكبرى بالمغرب العربي

فباستثناء موريتانيا التي تضخمت عاصمتها دون أن تصبح مليونية فإن بقية عواصم دول المغرب العربي مليونية بل إن المغرب الأقصى نجد فيه مدينتين مليونيتين العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء إلى جانب العاصمة السياسية الرباط.


أمثلة من مدن مغاربيّة تضخّم حجمها

- وتتعدد العوامل المفسرة للانفجار الحضري بدول المغرب العربي أولها ظاهرة السوحلة التي تدعّمت خلال ستينات وسبعينات القرن العشرين بحركة نزوح قوية نحو المدن التي كانت جاذبة بفضل الخدمات التي توفرت فيها وخاصة منها الاجتماعية كالصحة والتعليم إلى جانب توفر مواطن الشغل في القطاع الصناعي وفي العديد من الخدمات.

- ولئن مكن الانفجار الحضري من تحسين مستوى عيش العديد من العائلات النازحة وتغيير نمط عيشها من نمط ريفي وأحيانا قبلي إلى نمط حضري إلا أن سرعة نسق الانفجار الحضري لم تواكبه هيكلة المدن لاحتواء هذا التزايد السريع في عدد سكان المدن مما تسبب في انعكاسات سلبية عديدة مثل مشاكل السكن غير اللائق والسكن الفوضوي الذي لا تتوفر فيه كل المستلزمات الصحية إلى جانب مشكل التلوث وصعوبة إعادة تدوير النفايات المنزلية دون اعتبار النفايات الصناعية التي تتسبب في مشاكل صحية خطيرة في العديد من المناطق الصناعية التي لم تلتزم منذ انشائها بكراس شروط مراع للبيئة.كما تسبب تلوث بعض السواحل بالنفايات المنزلية أو الصناعية في تحولها إلى شواطئ ممنوعة على المصطافين.

إن الانفجار الحضري كان نتيجة حتمية للانفجار السكاني ولظاهرة السوحلة ولبحث سكان المغرب العربي عن ظروف عيش أفضل توفرت في المدن أكثر من الأرياف.

II- تباين مواقع مجتمعات المغرب العربي من الانتقال الديمغرافي:

1. تطور المؤشرات الديمغرافية لدول المغرب العربي وتباينها:

شهدت كل المؤشرات الديمغرافية لدول المغرب العربي توجها نحو التحكم في النمو الطبيعي بحيث تراجعت الولادات وتراجعت كذلك الوفيات بفضل توفر العديد من الخدمات الصحية مما تسبب في مرحلة أولى في ارتفاع في نسبة النمو الطبيعي لأن نسق تراجع الوفيات كان أهم من نسق تراجع الولادات فكان الانفجار الديمغرافي في كل دول المغرب العربي .ولئن تمكنت كل من الجزائر والمغرب الأقصى وخاصة تونس من الضغط على الولادات بتطبيق سياسة التنظيم العائلي والتحكم في النمو الطبيعي الذي أصبح معتدلا فإن كلا من ليبيا وخاصة موريتانيا لا تزالان في المرحلة الأولى من الانتقال الديمغرافي فلا زالت نسبة الولادات مرتفعة رغم التراجع الكبير لنسبة الوفيات وهو ما يجعل النمو الطبيعي يحافظ على ارتفاعه.

2. آثار متباينة للتحولات الديمغرافية على هرم الأعمار في دول المغرب العربي:

- تنفرد موريتانيا بهرم أعمار مميز للدول ذات النمو الطبيعي المرتفع فنسبة الولادات المرتفعة جعلت قاعدة الهرم عريضة بحكم ارتفاع نسبة الأطفال إلى أكثر من 40 % وقمة حادة نظرا لضعف نسبة الشيوخ فهي تقل عن 4 %.

- أما المغرب الأقصى والجزائر وليبيا فإن النمو الطبيعي فيها معتدل بشكل تسبب في تراجع نسبة الأطفال إلى ما بين 30 و35 % وهو ما يعني بداية تقلص قاعدة هرم الأعمار لكن قمته لا تزال حادة.

- أما تونس التي طبقت سياسة التنظيم العائلي في وقت مبكر نسبيا فقد شهدت نسبة الولادات فيها تراجعا كبيرا أدى إلى تراجع نسبة الأطفال إلى 27 % وبالتالي تقلصت قاعدة الهرم أكثر من كل دول المغرب كما أن قمة الهرم أصبحت أكثر اتساعا بحكم ارتفاع نسبة الشيوخ إلى 7 % وهي ضعف نسبة الشيوخ في موريتانيا لكن ذلك لا ينفي فتوة المجتمع التونسي.

3. أهم انعكاسات فتوة المجتمعات المغاربية:

- ثقل العبء الاجتماعي الذي تتحمله الدول المغاربية بحكم تحملها مسؤولية الانفاق على الأطفال في مرحلة الدراسة في عديد المجالات كالتعليم والصحة والنقل وإذا كان هذا العبء يخف قليلا في الدول المغاربية النفطية فهو ثقيل جدا في بقية الدول.

- مع بداية القرن الواحد والعشرين مكن تحسن مستوى العيش في بعض الدول المغاربية مثل تونس من مساهمة القطاع الخاص من تخفيف العبء على الدولة بالمساهمة في تغطية جزء من الخدمات التي كانت حكرا على الدولة مثل التعليم والصحة والنقل.

III- تحسن عام في مؤشرات التنمية البشرية في دول المغرب العربي:

1. ارتفاع نصيب الفرد من الناتج الداخلي الخام:

تحتل ليبيا صدارة دول المغرب العربي على مستوى معدل الدخل الفردي فيها فهي دولة نفطية وعدد سكانها محدود فقد تجاوز سنة 2005 11000 $. ويتقارب معدل الدخل الفردي السنوي في كل من تونس والجزائر في حدود 8000 $. ويتراجع في المغرب الأقصى إلى حوالي 4500 $. أما في موريتانيا فإن معدل الدخل الفردي السنوي لا يزال ضعيفا جدا حسب معطيات سنة 2005 فهو يقل عن 2500 $.

2. تراجع وفيات الرضع وارتفاع أمل الحياة عند الميلاد:

- كانت وفيات الرضع عالية جدا في كل الدول المغربية سنة 1960 وخاصة في موريتانيا حيث بلغت 186 ‰ ومتقاربة في بقية الدول بين 150 و160 ‰ وقد تراجعت كثيرا في هذه الدول وخاصة في تونس حيث بلغت 22 ‰ سنة 2004 وتراوحت بين 30 و37 ‰ في كل من ليبيا والجزائر والمغرب الأقصى أما في موريتانيا فكانت مرتفعة نسبيا حيث بلغت 75 ‰ في نفس التاريخ.

- لتراجع وفيات الرضع أثر مباشر على ارتفاع معدل أمل الحياة عند الميلاد ففي سنة 1960 قدر معدل أمل الحياة بين 48 و50 سنة في كل من تونس والجزائر وليبيا والمغرب الأقصى وقد تجاوز 70 سنة في كل منها سنة 2004 وخاصة في ليبيا حيث بلغ 75 سنة. لكن أمل الحياة في موريتانيا كان ضعيفا جدا سنة 1960 حيث بلغ 36 سنة ورغم تحسنه حيث بلغ 54 سنة عام 2004 إلا أنه لا يزال ضعيفا جدا بحكم نقص الخدمات الصحية الموفرة للمجتمع.

3. ارتفاع نسبة التمدرس وتراجع نسبة الأمية:

- سجلت نسب التمدرس ارتفاعا هاما في كل دول المغرب العربي بما في ذلك موريتانيا حيث بلغت فيها 87.8 % خلال السنة الدراسية 2002 / 2003 وهي في بقية دول المغرب العربي تتجاوز 90 % وقد شملت الذكور الإناث على حد السواء.

- وفي مقابل ارتفاع نسب التمدرس سجلت نسب الأمية تراجعا كبيرا في دول المغرب العربي ففي سنة 1960 كانت أعلى نسبة أمية في موريتانيا 95 % وأدناها في ليبيا 55 % في حين تراوحت في بقية الدول بين 84 و90 % وقد سجلت هذه النسب تراجعا كبيرا في كل الدول فبلغت أدناها سنة 2003 في ليبيا 18 % وأقصاها في كل من المغرب الأقصى 49 % وموريتانيا 48.8 % أما في تونس والجزائر فتراوحت بين 25 و30 %.

تحسن عام في مؤشر التنمية البشرية في كل دول المغرب العربي رغم أنه لا زال ضعيفا في موريتانيا لكنه في تونس وخاصة في ليبيا يقارب 0.8 وهو مؤهل لمزيد الارتفاع.

الخاتمة :

ساهمت الضغوطات الطبيعية والاقتصادية في احداث تحولات هامة في المجتمعات المغاربية وقد راهنت بعض الدول المغاربية مثل تونس على التنمية الاجتماعية فنالت الأسبقية في بعض المجالات السكانية. فهل وجدت المجتمعات المغربية مبتغاها في التنمية الاقتصادية التي تحققت منذ استقلالها؟


دروس التاريخ

- الدرس 1: الحرب العالمية الأولى الأسباب وأبرز النتائج


- الدرس 2: الحركة الوطنية التونسية في العشرينات


- الدرس 3: الحركة الوطنية التونسية في الثلاثينات


- الدرس 4: أسباب الحرب العالمية الثانية


- الدرس 5: نتائج الحرب العالمية الثانية


- الدرس 6: الحرب الباردة


- الدرس 7: تحرر الشعوب المستعمرة


- الدرس 8: القضية الفلسطينية


- الدرس 9: الحركة الوطنية التونسية من 1945 إلى 1956


- الدرس 10: تونس من 1956 إلى 1987


- الدرس 11: الحركة الوطنية الجزائرية


- الدرس 12: الحركة الوطنية المغربية


- الدرس 13: الحركة الوطنية الليبية